الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
50
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ في موضع الحال . و قَدَّتْ أي قطعت ، أي قطعت منه قدا ، وذلك قبل الاستباق لا محالة . لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف - عليه السّلام - أنها راودته ، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف - عليه السّلام - سبقها مسرعا إلى الباب ، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة . وكان قطع القميص من دبر لأنه كان موليا عنها معرضا فأمسكته منه لرده عن إعراضه . وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة اسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ . وصادف أن ألفيا سيدها ، أي زوجها ، وهو العزيز ، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي . وإطلاق السيد على الزوج قيل : إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذ ، كانوا يدعون الزوج سيدا . والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملا في عادة العرب ، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [ سورة يوسف : 76 ] . ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالبا . وقد علم من الكلام أن يوسف - عليه السّلام - فتح الأبواب التي غلّقتها زليخا بابا بابا حتى بلغ الخارجي ، كل ذلك في حال استباقهما ، وهو إيجاز . والإلفاء : وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه ، فالأكثر أن يكون مفاجئا ، أو حاصلا عن جهل بأول حصول ، كقوله تعالى : قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ سورة البقرة : 170 ] . وجملة قالَتْ ما جَزاءُ إلخ مستأنفة بيانيا ، لأن السامع يسأل : ما ذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة . وابتدرته بالكلام إمعانا في البهتان بحيث لم تتلعثم ، تخيل له أنها على الحق ، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون ، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها . ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف - عليه السّلام - مانعة له من عقابه ، فأفرغت كلامها في قالب كلي . وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها ، وأن تخيف يوسف - عليه السّلام - من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى .